47 تمهيد لم تعد الرواية العربية المعاصرة مجرد فضاء حكائي تُستعاد داخله الوقائع أو تُبنى فيه الشخصيات والأحداث، بل غدت مجالًا تتصارع فيه أنظمة الخطاب، وتتجاور فيه السلطة والمعرفة والذاكرة والجسد والهوية، ويتحوّل فيه فعل الكتابة إلى ممارسة ثقافية تعيد مساءلة ما استقر في الوعي الجمعي من تصورات عن المرأة والرجل والمجتمع والسلطة. ومن هنا تبدو الكتابة الروائية النسوية، في بعض تجلياتها، أكثر من استجابة جمالية لموضوع المرأة؛ إذ تصبح مساءلة للغة التي صاغت صورتها، وللخطابات التي تكلمت باسمها، وللأنساق الثقافية التي حددت لها موقعها داخل المجتمع. وفي هذا السياق تكتسب تجربة غادة السمان وأحلام مستغانمي أهمية خاصة؛ فكلتاهما جعلت من المرأة ذاتًا ناطقة، لا موضوعًا للخطاب فحسب، وأقامت في النص توترًا مستمرًا بين الصوت والصمت، وبين الرغبة والمنع، وبين الذاكرة والحاضر، وبين الجسد بوصفه كيانًا فرديًا والجسد بوصفه مجالًا تتقاطع فيه السلطة الاجتماعية والثقافية. وقد كشفت دراسات نقدية عن حضور الخطاب النسوي في أعمال غادة السمان، ولا سيما في «كوابيس بيروت»، من خلال دراسة لغته ومستوياته المعجمية وصورة الذات الأنثوية والوطن والعالم؛ كما تناولت دراسات أخرى الجسد الأنثوي في قصصها بوصفه مجالًا تتجلى فيه أنساق ثقافية مرتبطة بالهيمنة والتقويض. أما عند أحلام مستغانمي، فقد اتجهت دراسات متعددة إلى قراءة ثلاثيتها، ولا سيما «ذاكرة الجسد» و«فوضى الحواس» و«عابر سرير»، من زاوية تفكيك المركزية الذكورية، كما درست أبحاث أخرى خطاب الأنوثة والجسد والرموز الدلالية في «ذاكرة الجسد». غير أن المقارنة بين التجربتين لا ينبغي أن تقف عند حدود إثبات حضور «المرأة» أو «النسوية» في النص؛ فذلك يختزل التجربة الروائية في موضوعها ويغفل آليات اشتغالها. السؤال الأعمق هو: كيف تتحول القضية الفكرية إلى بنية لغوية؟ وكيف يتحول العنف من واقعة أو فكرة إلى طريقة في بناء الجملة والصورة والحوار والشخصية؟ وكيف تنتقل المرأة من كونها موضوعًا للخطاب إلى كونها منتجة له؟ وكيف يشارك القارئ، من خلال التأويل والتلقي، في استكمال المعنى؟ من هنا تتأسس هذه المقاربة على افتراض أن المعنى الروائي لا يُعطى بصورة نهائية داخل النص، وإنما يتولد من تفاعل مستويات متعددة: مستوى اللغة، ومستوى السرد، ومستوى السياق، ومستوى المقصدية، ومستوى القارئ. وهذا ما يجعل الجمع بين الأسلوبية والبلاغة والتداولية والتأويل والإحصاء ليس ترفًا منهجيًا، وإنما محاولة للإحاطة بالنص من جهاته المتعددة. أولًا: العنف الفكري من الموضوع إلى البنية الخطابية العنف في الرواية ليس بالضرورة عنفًا جسديًا مباشرًا؛ فقد يكون عنفًا رمزيًا، أو لغويًا، أو معرفيًا، أو اجتماعيًا، حين تُفرض على الشخصية منظومة من القيم والتصورات التي تحدد ما يجوز لها أن تقوله، وما ينبغي أن تصمت عنه، وما يسمح لها أن تكونه. ولهذا فإن دراسة العنف الفكري في الرواية تستدعي الانتقال من سؤال: ماذا تقول الرواية عن العنف؟ إلى سؤال أكثر تركيبًا: كيف تجعل الرواية اللغة نفسها فضاءً للصراع؟ إن السلطة قد تظهر في النص من خلال شخصية تملك حق الكلام، في مقابل شخصية تُجبر على الصمت؛ وقد تظهر من خلال تسمية المرأة، أو وصف جسدها، أو تحديد حركتها، أو تعريفها وفق علاقتها بالرجل؛ وقد تتجلى في خطاب اجتماعي يبدو محايدًا، ولكنه يحمل في داخله افتراضات ثقافية راسخة. وهنا تكتسب اللغة الروائية قيمتها النقدية؛ فاللغة لا تصف السلطة فحسب، وإنما يمكن أن تكشف آليات اشتغالها. وتساعد التداولية في هذه النقطة على الانتقال من المعنى المعجمي المباشر إلى المعنى الذي يتشكل من السياق والمقام والمقصد. فالتداولية، كما يوضح ستيفن ليفنسون، تنشغل بالجوانب من استعمال اللغة التي ترتبط بفهم المعنى، ومن بينها الاستلزام الحواري والافتراض المسبق وأفعال الكلام وبنية المحادثة. وبهذا يمكن قراءة الجملة الروائية بوصفها فعلًا لا مجرد تركيب لغوي: أمرًا، أو احتجاجًا، أو تهديدًا، أو رفضًا، أو مراوغة، أو استدراجًا، أو مقاومة. إن المرأة التي تقول «لا» في سياق روائي لا تنتج دلالة النفي وحدها؛ فقد تكون «لا» فعلًا لاستعادة الذات، أو إعلانًا للخروج من سلطة، أو بداية لتغيير علاقة كانت قائمة على الخضوع. وهنا يتجاوز الخطاب معناه القاموسي ليصبح ممارسة اجتماعية. ثانيًا: من الصمت إلى امتلاك الصوت لعل أحد أهم التحولات التي يمكن رصدها في الكتابة النسوية العربية هو انتقال المرأة من موقع المتكلم عنها إلى موقع المتكلمة. وهذا الانتقال ليس شكليًا؛ لأن امتلاك الصوت يعني إعادة ترتيب العلاقة بين الذات والآخر. فإذا كان الخطاب التقليدي قد جعل المرأة موضوعًا للرؤية والوصف والتسمية، فإن الرواية النسوية تعيد توزيع مواقع النظر، فتمنح المرأة حق أن ترى وأن تصف وأن تفسر وأن تعترض وأن تعيد تسمية العالم. وهنا يمكن الإفادة من التصور الذي قدمته هيلين سيكسو في مفهوم الكتابة النسوية، حيث ارتبطت الكتابة عندها باستعادة المرأة لمساحة التعبير عن ذاتها وجسدها وخبرتها، ومواجهة تقاليد الكتابة التي همّشت صوت المرأة. وتُظهر الدراسات الحديثة حول مفهوم écriture féminine أن الجسد واللغة يمثلان محورين أساسيين في تصور سيكسو للكتابة النسوية. غير أن استعادة الصوت لا تعني بالضرورة إنتاج خطاب مغلق أو أحادي؛ فالنص الروائي الأكثر ثراء هو الذي يسمح بتعدد الأصوات وتعارضها. ولذلك تصبح الرواية مجالًا للتفاوض بين أصوات مختلفة: صوت المرأة، وصوت الرجل، وصوت المجتمع، وصوت الذاكرة، وصوت السلطة، وصوت الراوي. وهنا تحديدًا تتشكل جماليات الخطاب. ثالثًا: غادة السمان: الكتابة بوصفها مواجهة للنسق تحتل تجربة غادة السمان موقعًا لافتًا في تاريخ الكتابة العربية الحديثة؛ لأنها لم تتعامل مع المرأة باعتبارها شخصية روائية فحسب، وإنما جعلت من أسئلتها الوجودية والاجتماعية والجسدية جزءًا من بنية الكتابة نفسها. وتشير دراسة متخصصة في «الرواية المستحيلة» إلى أن الحرية تمثل قضية مركزية في بناء الشخصيات النسوية عند السمان، وأن الشخصيات النسائية تتحرك داخل الرواية بوصفها نماذج تبحث عن حريتها في مواجهة واقع اجتماعي يقيد المرأة. وتتضح خصوصية السمان بصورة أكثر دلالة عندما ننظر إلى المعجم الروائي؛ فالجسد، والحرية، والخوف، والمدينة، والحرب، والذاكرة، والرغبة ليست مفردات منفصلة، وإنما حقول دلالية تتقاطع لتنتج صورة الذات المأزومة. وقد كشفت دراسة حول «كوابيس بيروت» عن حضور واضح للمجال المعجمي المرتبط بالجسد وغيره من الحقول الدلالية في لغة الخطاب النسوي عند السمان. وهنا تظهر أهمية الدراسة الإحصائية؛ فالإحصاء لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد أرقام، بل إلى قراءة دلالية للأرقام. فإذا تكرر معجم الجسد مثلًا، فالسؤال النقدي ليس: كم مرة وردت مفردات الجسد؟ وإنما: لماذا تكررت؟ وفي أي سياقات؟ ومن يتكلم عنها؟ وما الأفعال التي ترتبط بها؟ وهل يظهر الجسد بوصفه موضوعًا للنظر أم ذاتًا فاعلة؟ عند هذه النقطة يتحول الإحصاء من تقنية وصفية إلى أداة لتفسير البنية الثقافية للنص. رابعًا: أحلام مستغانمي وإعادة توزيع سلطة الخطاب أما أحلام مستغانمي، فقد بنت جانبًا مهمًا من مشروعها الروائي على العلاقة المركبة بين الذاكرة والجسد والحب والتاريخ والهوية، وجعلت من العلاقة بين الرجل والمرأة فضاءً لإعادة اختبار السلطة. وقد ذهبت دراسة تناولت ثلاثية مستغانمي إلى الكشف عن آليات نقض المركزية الذكورية في خطابها الروائي، مشيرة إلى أن العلاقة بين المركز والهامش تتعرض لإعادة تشكيل داخل النص. كما درست أبحاث أخرى «ذاكرة الجسد» من منظور سيميائي، مركزة على العنوان والشخصيات والجسد الأنثوي ورمزيته وفاعليته داخل البنية السردية. ولا تكمن أهمية مستغانمي في كونها تكتب عن المرأة فحسب، بل في أنها تجعل اللغة نفسها جزءًا من الصراع. فاللغة الشعرية الكثيفة، والاستعارة، والتناص، والإيقاع، والمفارقة، وتداخل السرد بالشعر، كلها تجعل الخطاب الروائي يتحرك في منطقة بين الحكي والتأمل الشعري. وقد لاحظت دراسة حول «الأسود يليق بك» أن الخطاب السردي عند مستغانمي يزاوج بين السردي والشعري، بما يمنحه نبرة غنائية واضحة. ومن هنا فإن مقارنة مستغانمي بالسمان لا ينبغي أن تقوم على سؤال: من الأكثر نسوية؟ فهذا سؤال تقويمي لا يخدم البحث العلمي، وإنما على سؤال أكثر إنتاجًا: بأي أدوات لغوية وسردية وبلاغية تصنع كل منهما خطابها حول المرأة والسلطة؟ خامسًا: العنف الفكري والحركة النسائية بوصفهما خطابين متداخلين لا يظهر العنف الفكري في الرواية بمعزل عن الحركة النسائية؛ إذ يمكن أن يكون أحدهما مرآة للآخر. فحين تتعرض المرأة إلى خطاب يصادر حقها في الكلام أو الاختيار، تنشأ داخل النص حركة مضادة تستعيد اللغة وتعيد بناء الذات. ولذلك يمكن النظر إلى الرواية بوصفها مجالًا لصراع خطابين: خطاب يفرض المعنى، وخطاب يعيد إنتاجه. الأول يميل إلى تثبيت الأدوار والهويات، والثاني يحاول مساءلتها. وهذا التصور يقترب من أطروحة جوديث بتلر حول تشكل الجندر من خلال ممارسات اجتماعية متكررة؛ إذ تُفهم الهوية الجندرية في هذا التصور لا بوصفها جوهرًا ثابتًا فحسب، وإنما بوصفها مرتبطة بأفعال ومعايير اجتماعية تتكرر وتُعاد إنتاجها. وإذا نقلنا هذه الفكرة إلى المجال الروائي، أمكن النظر إلى الشخصية النسائية بوصفها نتاجًا لصراع بين ما يُطلب منها أن تكونه وبين ما تحاول أن تصير إليه. وهنا يصبح الفعل اللغوي فعلًا هوياتيًا. فالرفض، والسؤال، والاحتجاج، والسخرية، والصمت، والاعتراف، كلها لا تعمل فقط داخل الحوار، وإنما تسهم في تشكيل الذات. سادسًا: البلاغة بوصفها جهازًا لإنتاج المقاومة تبدو البلاغة في النصوص التي تتناول السلطة والجندر أكثر من مجرد زينة لغوية. فالاستعارة، على سبيل المثال، قد تنقل العلاقة بين المرأة والسلطة من مستوى التصريح إلى مستوى الرمز. والمفارقة تستطيع أن تكشف التناقض بين ما يقوله الخطاب وما يضمره. أما التضاد فيبني أحيانًا البنية العميقة للصراع: حرية/قيد، صوت/صمت، جسد/سلطة، ذاكرة/نسيان، حضور/غياب. أما التكرار فيمكن أن يتحول من مجرد ظاهرة أسلوبية إلى آلية نفسية ودلالية؛ فالمفردة التي تعود باستمرار لا تعود بالمعنى نفسه بالضرورة، وإنما تتغير دلالتها بتغير السياق. ولهذا فإن الدراسة البلاغية ينبغي أن تتجاوز تصنيف الصور إلى الكشف عن وظيفتها. فلا يكفي أن نقول: استعارة هنا، وتشبيه هناك؛ بل ينبغي أن نسأل: ما الذي أنجزته الاستعارة؟ وما الذي أخفته؟ ومنحت الشخصية أي مساحة من القول؟ وكيف أعادت ترتيب علاقة القارئ بالشخصية؟ بهذا تتحول البلاغة إلى جزء من نظرية المعنى. سابعًا: التداولية والمضمر في الخطاب النسوي من أكثر المستويات ملاءمة لدراسة هذا النوع من الروايات المستوى التداولي؛ لأن الخطاب النسوي كثيرًا ما يعمل عبر المضمر بقدر ما يعمل عبر المصرح به. فقد تقول الشخصية شيئًا وتقصد شيئًا آخر، أو قد تصمت في موضع يكون فيه الصمت أكثر بلاغة من الكلام. وهنا تظهر مفاهيم مثل: أفعال الكلام. الاستلزام الحواري. الافتراض المسبق. الإشارة السياقية. المقصدية. الحجاج. التضمين. المسكوت عنه. وتتأكد أهمية هذا الاتجاه من أن التداولية الخطابية الحديثة تدرس الكيفية التي يسهم بها الخطاب في بناء المعنى والتفاوض حوله، مع الانتباه إلى أثر السياق والتأطير الأيديولوجي في الفهم والتأويل. وبهذا يمكن قراءة الجملة الروائية في مستويين: ما تقوله، وما تفعله. وقد يكون المستوى الثاني أكثر أهمية من الأول. ثامنًا: التأويل ودور القارئ في صناعة المعنى لا يكتمل المعنى الروائي عند حدود المؤلف أو النص، وإنما يدخل القارئ في عملية إنتاجه. فالنص الذي يطرح قضايا المرأة والعنف والسلطة لا يقدم بالضرورة إجابة واحدة، وإنما يفتح شبكة من الاحتمالات التأويلية. ولهذا يصبح القارئ شريكًا في بناء الدلالة، لا مستهلكًا لها. وتؤكد بعض الدراسات المتعلقة بتلقي الخطاب السردي النسوي أن المتلقي يمكن أن يكون مشاركًا في بناء المعنى وتوليده، وأن النص الروائي يمتلك قدرة على إعادة تشكيل المرجعيات الواقعية والثقافية داخل عوالمه المتخيلة. وهذا يفسر اختلاف القراءات الممكنة لروايات السمان ومستغانمي؛ فالقارئ الذي يقرأ النص بوصفه خطابًا نسويًا سيرى فيه أسئلة مختلفة عن القارئ الذي يقرأه من منظور الذاكرة أو الحرب أو الحب أو الجسد أو الهوية. ومن هنا فإن تعدد التأويلات ليس نقصًا في النص، بل إحدى علامات حيويته. تاسعًا: المقارنة الأسلوبية والإحصائية بين التجربتين تكتسب الدراسة المقارنة قيمتها حين تنتقل من الانطباع إلى الإجراء. فيمكن بناء مدونة نصية مختارة من روايات غادة السمان وأحلام مستغانمي، ثم إخضاعها لمجموعة من المؤشرات الكمية، مثل: المجالالمؤشر الإحصائيالغاية النقديةالمعجمتكرار ألفاظ السلطة والعنف والحريةالكشف عن الحقول الدلاليةالجسدمفردات الجسد وأفعالهاتحديد موقع الجسد في بناء الهويةالضمائرأنا/نحن/هو/همدراسة مواقع الذات والآخرالأفعالأفعال الرفض والرغبة والأمرالكشف عن القوة التداوليةالإنشاءالاستفهام والنفي والأمردراسة الاحتجاج والمقاومةالبلاغةالاستعارة والتشبيه والمفارقةتحليل بناء الصورةالسردالحوار والمونولوجقياس توزيع الأصواتالتكرارالمفردات والتراكيب المتكررةالكشف عن البؤر الدلالية وهنا ينبغي التنبيه إلى أن الرقم لا يفسر نفسه؛ فارتفاع معدل تكرار كلمة معينة لا يعني تلقائيًا أنها أكثر أهمية جماليًا، وإنما تصبح القيمة النقدية للتكرار واضحة حين يرتبط بالسياق وبالموقع السردي وبالوظيفة الدلالية. وهذا يتفق مع الاتجاهات الحديثة في الأسلوبية التي توسعت لتشمل الأسلوبية النسوية والأسلوبية النقدية والأسلوبية المدونة والمقاربات الكمية. عاشرًا: نحو جماليات مشتركة واختلافات بنيوية تكشف المقارنة الأولية أن تجربة غادة السمان وأحلام مستغانمي تلتقيان في جعل الكتابة مساحة لإعادة التفكير في موقع المرأة داخل منظومات السلطة، غير أن هذا الالتقاء لا يلغي الاختلاف في طرائق بناء الخطاب. ففي تجربة السمان تبدو المواجهة في كثير من المواضع أكثر التصاقًا بالتوتر الوجودي والنفسي والاجتماعي، بينما تميل مستغانمي إلى بناء عالم تتداخل فيه الذاكرة والتاريخ والحب والجسد واللغة الشعرية. لكن الأهم من تحديد الاختلاف الموضوعي هو تحديد الاختلاف في صناعة الدلالة. فالسؤال النقدي الحقيقي ليس: ماذا تقول السمان؟ وماذا تقول مستغانمي؟ بل: كيف تقول كل منهما ما تقول؟ وكيف تجعل اللغة القارئ يشعر بأن القضية الفكرية ليست فكرة خارج النص، وإنما هي متجسدة في تركيب الجملة، وحركة السرد، وتوزيع الأصوات، والصورة البلاغية، والإيقاع، والصمت؟ هنا تتشكل القيمة الجمالية الحقيقية للخطاب. خاتمة إن دراسة تمثلات العنف الفكري والحركات النسائية في روايات غادة السمان وأحلام مستغانمي تكشف أن الرواية النسوية العربية المعاصرة لا تستمد قوتها من القضايا التي تطرحها وحدها، وإنما من قدرتها على تحويل القضية إلى شكل فني. فالعنف لا يظهر فقط في الحدث، بل قد يسكن اللغة؛ والسلطة لا تتمثل فقط في شخصية المستبد، بل قد تظهر في ضمير أو فعل أو تسمية أو صمت؛ والمقاومة لا تكون دائمًا صرخة عالية، فقد تكون انزياحًا لغويًا، أو استعارة، أو سؤالًا، أو امتناعًا عن الكلام، أو استعادة لحق الذات في أن تقول «أنا». ومن هنا فإن الجمع بين التأويل والتداولية والأسلوبية والبلاغة والإحصاء يتيح بناء قراءة لا تكتفي بتصنيف النص ضمن الأدب النسوي، وإنما تبحث في الكيفية التي يصنع بها النص نسويته. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في المقارنة بين السمان ومستغانمي: فالكتابة لا تكتفي بتمثيل المرأة، وإنما تعيد إنتاج موقعها داخل اللغة. وعندما تمتلك المرأة اللغة، فإنها لا تستعيد صوتها فحسب؛ بل تدخل في إعادة تشكيل العالم الذي سبق أن عرّفها وحدد موقعها فيه. لذلك يمكن النظر إلى الخطاب الروائي عند الكاتبتين باعتباره فضاءً لتفاوض مستمر بين السلطة والذات، الصمت والصوت، الجسد واللغة، الذاكرة والحاضر، النص والقارئ. وفي هذه المنطقة تحديدًا تتولد جمالية المعنى؛ إذ لا يعود المعنى حقيقة جاهزة تنتظر أن تُكتشف، وإنما يصبح فعلًا متجددًا من أفعال القراءة والتأويل. ومن ثم فإن الدراسة الإحصائية والأسلوبية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها خروجًا عن النقد الأدبي إلى لغة الأرقام، بل بوصفها محاولة لإسناد الحدس النقدي بالقرينة؛ كما لا ينبغي أن يُفهم التأويل بوصفه إطلاقًا للقراءة من غير ضابط، بل بوصفه انتقالًا من العلامة إلى دلالتها ضمن شبكة النص والسياق والتلقي. وبذلك يصبح النص الروائي عند غادة السمان وأحلام مستغانمي بنية مفتوحة للصراع والتأويل، وتغدو اللغة ذاتها ميدانًا تتصارع فيه القوى الثقافية، لا مجرد وعاء للأحداث. ومن هذه الزاوية تحديدًا تتضح أهمية دراسة العنف الفكري والحركات النسائية لا باعتبارهما موضوعين من موضوعات الرواية، وإنما باعتبارهما آليتين من آليات إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي. مراجع عربية إبراهيم، عبد الله، السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة، المركز الثقافي العربي. الغذامي، عبد الله محمد، المرأة واللغة، المركز الثقافي العربي. الغذامي، عبد الله محمد، النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي. المسدي، عبد السلام، الأسلوبية والأسلوب، الدار العربية للكتاب. الرافعي، مصطفى صادق، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، دار الكتاب العربي. السمان، غادة، كوابيس بيروت، منشورات غادة السمان. السمان، غادة، الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية، منشورات غادة السمان. مستغانمي، أحلام، ذاكرة الجسد، دار الآداب. مستغانمي، أحلام، فوضى الحواس، دار الآداب. مستغانمي، أحلام، عابر سرير، دار الآداب. وتؤكد الدراسات العربية الحديثة وجود مسار نقدي متنامٍ لقراءة تجربة السمان من زاوية اللغة النسوية والأنساق الثقافية والجسد، ولقراءة مستغانمي من زاوية الخطاب الأنثوي والمركزية الذكورية والتلقي؛ وهو ما يوفر أرضية نقدية مناسبة لتوسيع الدراسة المقارنة المقترحة. مراجع أجنبية Butler, Judith. Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. Routledge, 1990. Cixous, Hélène. The Laugh of the Medusa. 1975/1976. Levinson, Stephen C. Pragmatics. Cambridge University Press, 1983. Burke, Michael (ed.). The Routledge Handbook of Stylistics. Routledge, 2nd ed., 2023. Bousfield, Derek. “Stylistics, Speech Acts and Im/Politeness Theory.” In The Routledge Handbook of Stylistics. Warner, Chantelle. “Literary Pragmatics and Stylistics.” In The Routledge Handbook of Stylistics. Jeffries, Lesley. Critical Stylistics: The Power of English. Palgrave Macmillan. Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Harvard University Press, 1991. وتتصل هذه المراجع مباشرة بالجانب النظري للدراسة؛ فليفنسون يؤسس للمفاهيم التداولية المركزية مثل الاستلزام والافتراض وأفعال الكلام، بينما يوسّع كتاب بورك الحديث مجال الأسلوبية ليشمل الأسلوبية النسوية والنقدية والمدونة والمقاربات الكمية، وهو ما ينسجم بصورة مباشرة مع المنهج المقترح لهذه الدراسة. ربا رباعيأديبة وناقدة – الأردن