الصفحة الرئيسية بحوث ودراسات من المسكوت عنه في التاريخ التونسي: دار جواد نبش في ذاكرة معاناة المرأة التونسيّة

من المسكوت عنه في التاريخ التونسي: دار جواد نبش في ذاكرة معاناة المرأة التونسيّة

بقلم / الباحث منصف سلطاني / تونس

218 زائر 3 دقائق اقرأ

كانت المرأة التونسية خلال الفترة الاستعمارية تعاني الاضطهاد والقهر، فقد حرمها المجتمع المتمسك بعادات بالية من أبسط حقوقها. وكان الطاهر الحداد أول من نادى بضرورة تحرير المرأة حيث كشف عن الوضعية الدونية المزرية التي تعانيها النساء التونسيات في القرن العشرين.

وفي سنة 1930 أصدر الطاهر الحداد كتابه المعنون بـ” إمرأتنا في الشريعة والمجتمع” الذي دعا فيه إلى تحرير المرأة وتأهيل الأسرة وتثقيفها.

أثار إصدار كتاب إمرأتنا في الشريعة والمجتمع ردود فعل قويّة من قبل الأوساط المحافظة خاصة من قبل الزيتونيين. فتمّ تكفير الطاهر الحداد وتجريده من شهادة التحصيل التي تحصل من جامع الزيتونة.

وبناء على ما تقدم، لابد أن نقف على ومضة من تاريخ معاناة المرأة التونسية قبيل دعوة الطاهر الحداد إلى تحريرها. ومن بين مظاهر الاضطهاد التي كانت تعاني منه التونسيات نذكر ” دار جواد “، وهو بمثابة سجن لكل النساء المتمردات على أزواجهن. لقد غيّب التاريخ التونسي سواء في مدارج الجامعة أو في الدراسات أو المجلاّت الحديث عن سجن ” دار جواد”. وكانت الدراما التونسيّة هي من أثارت ماسكت عنه التاريخ، وقد يعود ذلك إلى شح المصادر سواء المكتوبة أو الشفوية.

نشأت دار جواد في القرن السادس عشر وألغيت بصفة نهائية في بداية الاستقلال حينما تحررت المرأة التونسية بقوّة القانون ونعني بذلك صدور مجلّة الأحوال الشخصيّة يوم 13 أوت 1956. وتعدّ دار جواد بمثابة سجن ديني للمرأة التي تخرج عن الطاعة الزوجيّة. إنّ الحديث عما تعانيه المرأة في سجن دار جواد يكاد يكون مغيّبا في الأوساط الثقافية والأكاديميّة في تونس. وكان مسلسل عنبر الليل الذي تمّ بثه سنة 1999 على شاشة التلفزة التونسيّة أول عمل درامي ينبش في ذاكرة القهر والاضطهاد التي كانت تعانيهما النساء التونسيات. ويتمثل المشهد الذي عُرضت فيها دار جواد في المسلسل التونسي فيما يلي ” يختار الحاج عزّام زينب ابنة صديقه الذي توفي في حادث عمل لتكون زوجة لإبنه المدلل “عزوز”، في المقابل كان عزوز يميل إلى إبنة عمته عائشة. ولمّا توفي والده عمد عزوز إلى التخلص من زوجته فأذاقها كل أشكال العذاب، ثم قدم شكوة إلى القاضي الشرعي واتهمها بالخروج عن الطاعة الزوجية فحكم عليها القاضي بدخول دار جواد. وحين دخلت زينب لاحظت كل مظاهر التسلط الذي تمارسه “الجايدة” (امرأة مسنة تشرف على تسيير دار جواد لتأديب النساء وإرجاعهن إلى بيت الطاعة) على النساء الموجودات في دار جواد، خيّرت حينها الهروب إلى مقاوم ولي صالح “الزاوية”.

كانت دار جواد سجنا دينيّا تهابه كل النساء نظرا لما يوجد فيه من تسلط على النساء المتمردات على أزواجهن، ليتم إعادتهن تائبات أو إيواء الفتيات لتعليمهن أصول الزواج وتأهيلهن قبل قدوم الزوج المرتقب. وكانت النساء في دار جواد يقضين وقتهن في أعمال الطبخ والتنظيف والخياطة طوال اليوم كأسلوب عقابي وحثهن على طلب الاعتذار من الزوج.

ظلّت دار جواد قرابة 4 قرون من الزمن بمثابة الكابوس الذي يهدد به الرجل المرأة التونسيّة.

وأمّا العمل الدرامي الثاني الذي تطرّق إلى الحديث عن دار جواد فيلم “الجايدة” للمخرجة المتميزة سلمى بكار. ويسرد الفيلم ما كان يدورمن أحداث في دار جواد في السنتين الأخيرتين من عمرها بين 1954 و1956 أي قبيل الظفر بالاستقلال وتحرير المرأة التونسية واغلاق دار جواد.

يسرد فيلم ” الجايدة” قصص أربعة نماذج من النساء المقيمات في دار جواد من محيط اجتماعي مختلف. إذ طرحت كل شخصية من الشخصيات النسائية مشكلة مختلفة عن الأخرى، تمثلت أساسا في الخيانة الزوجيّة والحرمان من الحبيب قسرا والاحتقار بسبب الشهوات الجنسية وصولا إلى تنكيد حياتها بسبب إنجاب أثنى. وإنّ نقطة الالتقاء بين كل النساء هي التعايش في سجن ديني منعزل عن العالم الخارجي بسبب مخالفة الأعراف الزوجية والتقاليد البالية للمجتمع.

صوّر لنا الفيلم أيضا تجارب مؤلمة عاشتها المرأة التونسية قبل الظفر بالاستقلال. فكانت لكل إمرأة في فيلم الجايدة نهاية. على سبيل المثال اختارت ليلى احدى النساء المقيمات في دار جواد نهاية تراجيدية لحياتها وهي ” الانتحار”.

ختاما، أنارت الدراما التونسيّة عدّة حقائق من الماضي القريب والبعيد حول المكانة الدونيّة للمرأة التونسيّة، ظلّت الدراسات الأكاديمية غافلة عن إثارتها. فقد أخرجت الدراما التونسية مسلسل عنبر الليل وفيلم الجايدة ذاك المكان المخصص لسجن المرأة المتمرّدة عن الطاعة الزوجيّة من الماضي إلى الحاضر. كما استطاعت الدراما التونسية في عملين تصوير كواليس مؤسسة دار جواد مبرزة واقع مرّ كانت تعيشه المرأة قبل تحريرها غداة الاستقلال.

الهوامش:
فيلم الجايدة للمخرجة سلمى بكار
مسلسل عنبر الليل إخراج الحبيب المسلماني.
Dalanda Largueche, Dar Joued : Ou l’oubli dans la mémoire, marginales en terre d’islem, Tunis, Cérés,1992.

الباحث منصف سلطاني

  • باحث وكاتب تونسي
    منصف سلطاني أستاذ تعليم ثانوي وباحث تونسي في التاريخ المعاصر، خريج دار المعلّمين العليا بتونس. متحصّل على شهادة الماجستير في التاريخ المعاصر، وهو بصدد إعداد رسالة الدكتوراه في التاريخ السياسي المعاصر. شارك في العديد من الندوات والملتقيات الوطنية والدولية، ونشر عدداً من المقالات والدراسات في الصحف والمجلات المحكمة. صدر له كتاب بعنوان «الأستاذ مصطفى الفيلالي: بيوغرافيا مناضل وطني ورجل دولة (1921-2019)»، كما يهتم في أبحاثه بدراسة قضايا الثروة والأثرياء والسلطة في تونس من القرن التاسع عشر إلى ما بعد الاستقلال.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.