445 الشعر في صومعة المثقف ليس مجرد كتب مرصوصة، بل هو “نفس الحياة” المكتوب بالحبر. هو الزاوية التي لا تزورها إلا وأنت مستعد للتخلي عن منطق العالم الخارجي لتغرق في منطق الروح والوزن والموسيقى. في مكتبة الشاعر، يتخذ الشعر أبعاداً تتجاوز القراءة العابرة: أولاً: حضرة الأساتذة على تلك الرفوف، تجلس القمم الشامخة. من المتنبي الذي يعلمك الأنفة وصياغة الحكمة، إلى شوقي الذي يروض لك اللغة، وصولاً إلى رواد التجديد. كل ديوان هو “جلسة خاصة” مع شاعر قضى عمره يقطر تجاربه في أبيات، وفي صومعتك، يهمس لك هؤلاء بكل أسرارهم. ثانياً: موسيقى السكون في صومعة الشعر، حتى الصمت له إيقاع. عندما تفتح ديواناً وتبدأ في القراءة -سواء بصوت مسموع أو بقلبك- تشعر وكأن جدران الغرفة بدأت تهتز على أنغام البحور الخليلية. القصيدة هنا لا تُقرأ بالعين، بل تُسمع بالوجدان، وتتحول من كلمات إلى صور ملونة تملأ فضاء المكان. ثالثاً: لحظة المخاض (الميلاد) أجمل ما في “صومعة الشعر” هي تلك اللحظة التي تضع فيها كتاباً جانباً، وتمسك بقلمك. عندما تستفزك قافية أو تفتح ذهنك صورة شعرية قرأتها، لتبدأ أنت في نسج خيوط قصيدتك الجديدة. هنا تصبح المكتبة “مرآة”، ترى فيها وجهك الإبداعي يتشكل بين سطور العظماء. مكتبة الشاعر هي الميدان الذي تلتقي فيه الأصالة بالمعاصرة: تجد فيها المعلقات التي تربطك بجذور لغتك القوية. وبجوارها قصائد النثر أو التفعيلة التي تحاكي قلقك الحديث. وبين هذا وذاك، تكمن شخصيتك أنت، التي تصيغها من عصارة كل ما قرأت. الشعر في مكتبتك ليس مجرد محتوى ثقافي، إنه الصديق الذي لا يخون، والوطن الذي تسكن إليه كلما شعرت بالغربة وسط الزحام. الشاعر محمد المصري