الصفحة الرئيسية قصيدة النثر هاجر الرّقيق / تونس: نصّ بعنوان “ورثتُ عن أمّي فمها”

هاجر الرّقيق / تونس: نصّ بعنوان “ورثتُ عن أمّي فمها”

342 زائر 1 دقائق اقرأ

ورثتُ عن أمّي فمها مثل صندوق موسيقى:
لا أفتحه
إلّا حين أتأكّد أنّه لا ضجيج من حولي.

في طفولتي، لم يكن عندنا راديو أو تلفاز،
لكن أمي كانت تُشغّل فمها
بكهرباء النكات والأغنيات
حتى لا تطالنا أخبار الحرب العاجلة.

كلّ يوم، أركض من المدرسة إلى صوتها،
أدير قفله،
وأدخله برجلَيّ المتعبتين لأستريح.

في عيد ميلادي الثاني عشر،
أردت كرة قدم جديدة لألعب بها،
ولأنه لم يكن لنا مال،
خاطت لي أمي دعوة
لا زلت أركلها نحو مرمى الحياة عند كلّ هجوم.

“الله يحميك” هي طابتي الأسرع،
هي ركلة الرابونا خاصّتي،
وقدمي التي أسدّد بها آخر هدف
قبل أن ينفخ الموت في صافرته.

أحيانًا، كانت فردة حذائي تعلق
بين “الله” و”يحميك”،
فتسحبها أمي برفق
وتعيد ربط خيوط قلبي من جديد.

كلّ من في العالم يبدأ يومه بفطور الصباح،
نحن، نبدأ بأمي،
إلّا بدعواتها التي ترصّفها في صينية الفرن،
ساخنة ومستديرة،
يكفي أن يلمحنا الشر منتفخين بها
حتى يجري مبتعدًا عن يومنا.

في الليل، تفرد أمي همساتها قماشة للخيمة،
نتكوّر أسفل كلمة “أحبّك”
وننام.

أحيانًا، أستفيق لأجد أمي وهي تسوّي الهمزة
على الألف حتى لا تسقط فوق رؤوسنا،
أو تنفش الكاف بيديها
إلى أن ترتفع وتصير مخدّة من الصوف.

حين رحلت أمي،
تركت فمها معلّقًا في وجهي
مثل صندوق موسيقى.

أخرجه أحيانًا من كومة الكراكيب،
ألمّعه، أدير إسطوانته
حين يتجمّع حولي أطفالي.

لا أفتحه
إلّا حين أتأكد أن الحياة خارج خيمتي
تُصغي.

الشاعرة هاجر الرّقيق

  • شاعرة تونسية
    هاجر الرّقيق شاعرة تونسيّة صاعدة من مواليد 1997، تكتب باللغتين العربيّة والإنجليزيّة. تمّ اختيارها مؤخّرًا ضمن نهائيّات مسابقة Jefferson Lucky الأمريكيّة للشعر لعام 2025، وضمن القائمة القصيرة لجائزة Poetry Foster الكنديّة لعام 2025، كما تمّ ترشيحها لجائزة Pushcart لعام 2025 من طرف مجلّة DMQ. إلى جانب ذلك، فقد تُوّجت بالمركز الثاني عالميًّا في مسابقة الكتابة لخريف 2025 التي نظّمتها مجلّة Capilano Review، وتحصلت على رتبة مرموقة في مهرجان Cúirt الدولي الذي يُقام سنويًّا بإيرلندا لعام 2026. نُشرت قصائدها الإنجليزيّة في Chestnut Review وIreland Poetry وOnly Poems، وقصائدها العربيّة في العديد من المجلّات.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.