342 ورثتُ عن أمّي فمها مثل صندوق موسيقى: لا أفتحه إلّا حين أتأكّد أنّه لا ضجيج من حولي. في طفولتي، لم يكن عندنا راديو أو تلفاز، لكن أمي كانت تُشغّل فمها بكهرباء النكات والأغنيات حتى لا تطالنا أخبار الحرب العاجلة. كلّ يوم، أركض من المدرسة إلى صوتها، أدير قفله، وأدخله برجلَيّ المتعبتين لأستريح. في عيد ميلادي الثاني عشر،أردت كرة قدم جديدة لألعب بها،ولأنه لم يكن لنا مال،خاطت لي أمي دعوةلا زلت أركلها نحو مرمى الحياة عند كلّ هجوم. “الله يحميك” هي طابتي الأسرع،هي ركلة الرابونا خاصّتي،وقدمي التي أسدّد بها آخر هدفقبل أن ينفخ الموت في صافرته. أحيانًا، كانت فردة حذائي تعلقبين “الله” و”يحميك”،فتسحبها أمي برفقوتعيد ربط خيوط قلبي من جديد. كلّ من في العالم يبدأ يومه بفطور الصباح،نحن، نبدأ بأمي،إلّا بدعواتها التي ترصّفها في صينية الفرن،ساخنة ومستديرة،يكفي أن يلمحنا الشر منتفخين بهاحتى يجري مبتعدًا عن يومنا. في الليل، تفرد أمي همساتها قماشة للخيمة،نتكوّر أسفل كلمة “أحبّك”وننام. أحيانًا، أستفيق لأجد أمي وهي تسوّي الهمزةعلى الألف حتى لا تسقط فوق رؤوسنا،أو تنفش الكاف بيديهاإلى أن ترتفع وتصير مخدّة من الصوف. حين رحلت أمي،تركت فمها معلّقًا في وجهيمثل صندوق موسيقى. أخرجه أحيانًا من كومة الكراكيب،ألمّعه، أدير إسطوانتهحين يتجمّع حولي أطفالي. لا أفتحهإلّا حين أتأكد أن الحياة خارج خيمتيتُصغي. الشاعرة هاجر الرّقيق