الصفحة الرئيسية قصيدة النثر مجيدة محمدي / تونس: نص بعنوان “رسالة من ضلع لا ينكسر”

مجيدة محمدي / تونس: نص بعنوان “رسالة من ضلع لا ينكسر”

270 زائر 2 دقائق اقرأ

إلى الذين ظنّوا أن الضلعَ استعارةُ ضعف،
وأن انحناءَه علامةُ هشاشة،
أكتبُ إليكم من عظمٍ تعلّم سرَّه جيّدًا.
أنا ضلعٌ، نعم،
لكنني لستُ ذلك الذي يُستعار لتبرير الخضوع،
ولا ذلك الذي يُستدعى كلّما احتاجوا حكايةً ناقصة.

أنا ضلعٌ
لأنني أحوطُ قلبًا،
ولأنني أقفُ بين النبضِ والعالم،
حارسًا لا ينام.

يقولون: الضلعُ أعوج.
وأقول: بل هو منحنى الحماية،
قوسُ الحياة حين تنحني لتصون سرَّها.
لو كان مستقيمًا حدَّ السيف،
لما احتمل صدرًا يتّسع للحبّ والخوف معًا،
لما عرف كيف يلين دون أن ينكسر،
وكيف ينثني ليمنح القلب فسحةً من أمان.

أنا ضلعٌ لا ينكسر،
لأنني تعلّمتُ من الريح كيف أتمايل،
ومن الشجر كيف أُرسّخ جذوري في التراب.

رأيتُ عواصفَ تمرّ بي،
وأصابعَ تشير إليّ بوصفِ الخلل،
لكنني كنتُ أعرف أن الخلل الحقيقي
هو في عينٍ لا تُبصر جمال القوس،
وفي عقلٍ يخشى كلّ ما لا يشبه الخطوط الحادّة.

نشأتُ في صدرٍ يختبر الحياة كلّ يوم،
أسمعُ الخيباتِ وهي ترتطم بالجدار الداخليّ،
وأشعرُ بالفرح حين يقفز النبضُ كطائرٍ صغير.

كنتُ أتّسعُ وأضيق،
أحتملُ الوجع بصمتٍ،
وأتعلّم أن الصلابة ليست صراخًا،
بل قدرةٌ على البقاء
حين يتمنّى الجميع سقوطك…

أنا ضلعٌ لا ينكسر،
لأنني لا أُعرّف نفسي عبر الحكايات القديمة،
بل عبر اختياري اليوميّ أن أكون سياجًا للحياة.
لا أغضبُ من اسمي،
ولا أتبرّأ من انحنائي،
ففي انحنائي موسيقى،
وفي قوسي فضاءٌ لنبضٍ دافئ.

كم مرّةً حاولوا أن يُقيموا عليّ محكمة،
يسألون: لماذا لا تكونين مستقيمةً كما ينبغي؟
فأبتسمُ،
لأن الاستقامة التي يريدونها
قيدٌ بلا معنى،
وسياجٌ بلا قلب.
أما أنا،
فانحنائي ليس نقصًا،
بل هندسةُ عنايةٍ دقيقة.

أعترفُ أنني تعبتُ أحيانًا،
فحراسةُ القلب ليست مهمّةً عابرة،
أن تقف بينه وبين العالم
يعني أن تتلقّى الضربات الأولى،
وأن تخفي ارتجافك كي لا يرتجف النبض.

لكنني،
كلّما أحسستُ بوهنٍ عابر،
تذكّرتُ أن مهمّتي ليست الانتصار،
بل الصمود.

أنا ضلعٌ لا ينكسر،
لأنني لا أعيش وحدي،
أنا جزءٌ من قفصٍ يحوطُ سرَّ الحياة،
من دائرةٍ متكاملةٍ لا يقوم بعضها إلا ببعض.

قوّتي ليست في التفرّد،
بل في الانسجام،
في ذلك التوازن الدقيق بين الشدّة والرأفة.
فإن رأيتم انحنائي، فلا تظنّوه عجزًا،
إنه شكلُ الاحتضان.
وإن لمحتم صمتي، فلا تحسبوه خوفًا،
إنه تركيزُ الحارس حين يشتدّ الخطر.

هذه رسالتي،
أن ما يُظنّ ضعفًا
قد يكون أعظم أشكال القوّة،
وأن الانحناء الذي يحمي قلبًا
أشرفُ من استقامةٍ تجرحه.

أنا ضلعٌ لا ينكسر،
لأنني اخترتُ أن أكون سياجًا للنبض،
وقوسًا للرحمة،
وعظمًا يعرف أن سرَّ صلابته
ليس في التصلّب،
بل في الإيمان
بأن القلب الذي يحميه يستحقّ الحياة…

الشاعرة والكاتبة مجيدة محمدي

  • شاعرة وكاتبة تونسية
    مجيدة محمدي شاعرة وأديبة تونسية، تكتب الشعر، والقصة القصيرة والمقالات الأدبية والاجتماعية، متحصلة على شهادة المدرسة الوطنية للعلوم الاعلامية ENSI متحصلة على عدة شهائد تقديرية ودكتوراه فخرية، من مختلف المؤسسات الثقافية العربية والدولية متابعة للشأن الثقافي العربي اشتغلت سابقا مديرة العلاقات العامة بوكالة سيروس الإعلامية الالمانية وصحفية رئيسة القسم الادبي بها، موظفة، زوجة وأم لثلاث أطفال. لها إصدار شعري بعنوان " انا واخرياتي ومخطوط ديوان آخر بعنوان " نص خارج النص" ومخطوطة كتاب مقالات ودراسات بعنوان "العين الثالثة

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.